ابن رشد
78
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )
( 24 ) قال : وإذا اعتبرت الربيع بهذا الاعتبار وجدته لا يغلب عليه الحر ولا البرد ولا الرطوبة ولا اليبوسة ، فيتبين لك أنه متوسط بين أطراف الكيفيات ، إذ ليس تغلب فيه الحرارة واليبس كما يغلبان في الصيف ، ولا البرودة والرطوبة كما يغلبان في الشتاء . ولأجل هذا قال أبقراط : إن الربيع أصح الأوقات وأقلها موتا ، والخريف أيضا . فهو أقل حرا من الصيف وأقل بردا من الشتاء . ومن قبل هذا ليس ينسب إلى الإفراط في الطرفين . لكن مع هذا فيه شئ ردئ ، وهو أنه متباين المزاج في طرفي النهار ووسطه ، أعنى أن الحرّ فيه في وسط النهار أكثر مما يجب لوسط النهار من طرفي النهار والبرد في طرفي النهار أكثر مما يجب لطرفى النهار ، فهو بهذا متشتت المزاج غير معتدل بخلاف الربيع ، فيكون فيه في وسط النهار حر شديد ، وفي طرفي النهار برد لا يناسب ذلك الحر . ( 25 ) ولذلك يقول أبقراط : إذا حدث في يوم واحد حر وبرد معا ، فتوقع أمراضا خريفية . ولذلك ليس هو معتدلا ولا متوسطا ، ولكنه مع هذا ناقص الحرارة عن الصيف ، وناقص البرد عن الشتاء . وإذا كان الأمر على هذا ، فليس ينبغي أن يقال فيه أنه بارد يابس قولا مطلقا ، كمثل قول أولئك ، إذ ليس فيه واحد من هذه غالبا في الغاية ، ولكن لأن اليبوسة فيه أغلب من الرطوبة ، قيل فيه أنه يابس . وأما مزاجه في الحر والبرد فإنه يختلط منهما اختلاطا على غير استواء ، فإن أرادوا أن يضعوا تراكيب الأمزجة الأربعة في فصول السنة ، فليس يخطئون في إضافتهم الحرارة والرطوبة إلى الربيع ، لكن في إضافتهم اليبوسة والبرودة إلى الخريف . على أنه لو سلم لهم أن الخريف بارد يابس ، لما كان يلزم أنه أن الربيع حار رطب ، لأن تراكيب الأمزجة الأربعة كلها خارجة عن الاعتدال . فلو كانت تراكيب الأزمنة الأربعة هذه التراكيب ، لكانت السنة كلها خارجة